مقدمة
لا يمكن مقاربة الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية بوصفه تفاهمًا تقنيًا أو ترتيبًا أمنيًا ظرفيًا، بل ينبغي وضعه في سياقه التاريخي والسياسي الأوسع، باعتباره محاولة متأخرة لمعالجة إحدى أعقد نتائج الصراع السوري: نشوء فاعلين مسلحين–سياسيين خارج بنية الدولة، ثم البحث عن سبل إعادتهم إليها.
أولًا: من نشوء الأمر الواقع إلى لحظة التفاوض
منذ عام 2012، ومع انسحاب مؤسسات الدولة من أجزاء من شمال وشرق سوريا، تشكّل واقع إداري وأمني جديد قادته وحدات حماية الشعب، قبل أن يتبلور لاحقًا في إطار أوسع عُرف باسم «قوات سوريا الديمقراطية». وقد ارتبط صعود هذا الكيان ارتباطًا وثيقًا بالتحالف العسكري مع الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم «داعش»، وهو تحالف وفّر غطاءً عسكريًا واسعًا دون أن يمنح شرعية سياسية أو اعترافًا سياديًا.
ومع انحسار هذا الغطاء تدريجيًا، وتراجع قدرة قسد على توسيع نفوذها، بدأت ملامح التحول من إدارة الأمر الواقع إلى البحث عن تسوية سياسية مع دمشق، برعاية روسية غير معلنة في مراحلها الأولى، وصولًا إلى الإعلان الرسمي عن الاتفاق في 10 آذار/مارس 2025.
ثانيًا: التحوّل الجغرافي بوصفه مفتاحًا للفهم
لا يمكن فهم الاتفاق دون التوقف عند التحول الجغرافي الحاسم في ميزان القوى. فقسد، التي سيطرت في مرحلة سابقة على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، لم تعد تمتلك اليوم سوى نطاق جغرافي محدود يقتصر عمليًا على:
- مدينتين أو ثلاث مدن صغيرة ضمن محافظة الحسكة، في وضع أمني مختلط.
- ومدينة عين العرب (كوباني).
أما بقية المناطق، فهي إما تحت سيطرة الدولة السورية، أو ضمن تفاهمات أمنية تقلّص من سلطة قسد إلى حدود إدارية غير سيادية. وهذا التقلّص ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا تفسيريًا أساسيًا يوضح أن قسد دخلت مسار الاتفاق من موقع تراجع استراتيجي، لا من موقع قوة تفاوضية متكافئة.
ثالثًا: الاتفاق وحدود “الشراكة”
ينص الاتفاق في خطوطه العريضة على وحدة الأراضي السورية، ورفض التقسيم، واندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة. غير أن الخطاب الإعلامي والسياسي المحيط به بالغ في توصيفه بوصفه «شراكة سياسية جديدة»، دون التوقف عند حدوده الواقعية.
فالدولة السورية، تاريخيًا وعمليًا، لا تقبل بوجود جيوش موازية أو كيانات عسكرية مستقلة، في حين أن أي حديث عن شراكة سياسية لا يمكن أن يستقيم دون إطار دستوري ومؤسسي واضح. ومن هنا، يبدو الاتفاق أقرب إلى تسوية انتقالية لإعادة دمج مناطق وفاعلين، لا إلى إعادة تأسيس نظام سياسي جديد.
رابعًا: السؤال الغائب… ما مصير قوات سوريا الديمقراطية؟
رغم كثافة التحليلات والمقالات والتصريحات التي تناولت الاتفاق، يلاحظ غياب شبه كامل للتعرض للمسألة الجوهرية التي يتوقف عليها معناه الحقيقي: ما مصير قوات سوريا الديمقراطية؟
1. المصير العسكري
من الناحية العسكرية، تشير الوقائع وتجارب ما بعد النزاعات إلى مسار شبه حتمي، يتمثل في:
- حل قسد بوصفها تشكيلًا عسكريًا مستقلًا.
- دمج أفرادها بصورة فردية في الجيش والقوى الأمنية.
- عودة من لا يرغب بالاستمرار في العمل العسكري إلى الحياة المدنية.
2. الإشكالية السياسية
أما الإشكال الأعمق، فيكمن في الجانب السياسي. فإذا تم حل قسد عسكريًا، فهل ستتحول إلى تنظيم حزبي أو إطار سياسي مدني يضم الكرد وغيرهم من المكونات السورية، استنادًا إلى خطابها الذي قدّمت فيه نفسها بوصفها مظلة متعددة المكونات؟
إن عدم الإجابة عن هذا السؤال يجعل الاتفاق معلقًا بين كيان عسكري آيل إلى الانحلال، ومشروع سياسي لم يتشكّل بعد.
3. مأزق العقد السياسي والضامن
وفي حال تم حل قسد عسكريًا دون إنشاء كيان سياسي واضح يمثلها، فإن الاتفاق يفقد أحد أركانه الأساسية؛ إذ لن يبقى طرف ثانٍ متمايز في هذا العقد السياسي. وبغياب هذا الطرف، تنتفي الحاجة الموضوعية إلى طرف ثالث ضامن، إقليميًا كان أم دوليًا، ويتحوّل الاتفاق من إطار سياسي فاعل إلى وثيقة انتقالية تؤرّخ لمرحلة انتهت وظيفتها.
خامسًا: من الاتفاق إلى الدولة
إن جوهر الإشكال لا يكمن في نص الاتفاق، بل في ما إذا كان سيُفضي إلى إعادة بناء الدولة بوصفها الإطار الجامع الوحيد، أم سيبقى محاولة لتأجيل الأسئلة الكبرى. فالتجارب المقارنة تُظهر أن تأجيل حسم قضايا السلاح، والتمثيل السياسي، والسيادة، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغ مختلفة.
خاتمة
يمثل الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية محطة سياسية مهمة، لكنه ليس نهاية المسار. فنجاحه مرهون بالانتقال من منطق التفاهمات الظرفية إلى منطق الدولة، ومن إدارة التعدد بالقوة إلى تنظيمه بالقانون. أما إذا بقي سؤال مصير قسد بلا جواب واضح، فإن الاتفاق، مهما بلغت رمزيته، سيظل محطة تاريخية عابرة، لا عقدًا مؤسسًا لمرحلة جديدة.
تنويه: الآراء المنشورة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية للموقع.




مقال ممتاز سلمت يداكم
مقال مميز تسلم ايدك
قراءة جيدة لما حدث و ما سيحدث ، احسنت .
المقال يقدّم مساهمة تحليلية رصينة، لا تبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما تُصرّ على طرح الأسئلة الصحيحة. انتهت قسد شكلا مسلحا. لكنها بلا شك ستبقى بقلوب البعض لحين ايجاد البديل الوطني الجامع وهو قيد الاقناع بوجوده… هو في ذلك يذكّر بأن أخطر ما في الاتفاقات السياسية ليس ما تقوله نصوصها، بل ما تسكت عنه.