الرقة… لماذا كانت دائماً “خيار الجميع”؟ المدينة التي تحوّلت إلى مختبر للمشاريع المتصارعة

جزء مدمر من الرقة (سوريا) خلال الهجوم العسكري عام ٢٠١٧

مقدمة

لم تكن الرقة، في أي مرحلة من تاريخها الحديث، مركزاً سياسياً أو دينياً أو عسكرياً مؤثراً في سوريا. كانت مدينة هادئة، مهمَّشة، بعيدة عن دوائر القرار، بلا نخبة سياسية نافذة ولا تيار أيديولوجي مهيمن.

ومع ذلك، كانت الرقة على الدوام الخيار المفضّل لمشاريع كبرى ومتعارضة، بدءاً من نظام الأسد، مروراً بإيران والفصائل الإسلامية، وصولاً لتنظيم “داعش”، وأخيراً “قسد”. هذا التكرار اللافت لا يمكن تفسيره بالصدفة، بل يكشف عن منطق عميق في إدارة الشأن السوري، حيث تتحول المدن الأضعف سياسياً إلى ساحات اختبار مفتوحة.

1. الرقة في حسابات الأسد: الهامش الآمن

قبل اندلاع الثورة، تعامل النظام مع الرقة بوصفها مدينة هامشية، صامتة، وضعيفة التمثيل السياسي. هذه الخصائص جعلتها مكاناً مثالياً لتجريب السياسات الاقتصادية والأمنية دون خشية ردود فعل قوية. فقد مورست فيها سياسات قاسية، من الإهمال التنموي وتفكيك البنية الزراعية، إلى توسيع القبضة الأمنية وإضعاف المجتمع المدني، باعتبارها مدينة يسهل احتواء أي اضطراب فيها، بخلاف مراكز الثقل كدمشق أو حلب.

2. محاولات إيران الأولى: التغلغل الناعم

منذ التسعينيات، نظرت إيران إلى الرقة كبيئة “محايدة مذهبياً”، لا تمتلك تاريخاً طائفياً حاداً ولا بنية دينية مغلقة. هذا “الفراغ” جعلها نقطة مناسبة لاختبار أدوات التغلغل الناعم:

  • تقديم المساعدات المالية.
  • استمالة العشائر.
  • محاولات بناء ولاءات اجتماعية جديدة. لم يكن الهدف تحويل الرقة فوراً، بل “قياس قابلية المجتمع” للتأثير، وهو النهج الذي اعتمدته طهران لاحقاً في بقية سوريا.

3. أحرار الشام: تجربة الإدارة المدنية

بعد خروج النظام، حاولت حركة “أحرار الشام” إطلاق تجربة إدارة مدنية من الرقة، رغم أن ثقلها الشعبي كان في إدلب. اختيار الرقة عكس إدراكاً بأن المدينة “أرض خصبة” بلا قوة عسكرية منظمة تنافسهم. لكن ضعف الخبرة، وتعدد الفصائل، وغياب المرجعية، حوّل المدينة إلى ساحة تنافس فصائلي بدلاً من تقديم نموذج ناجح.

4. “داعش” واختيار العاصمة غير المتوقعة

رغم سيطرته على الموصل (الأكبر والأعرق)، اختار تنظيم “داعش” الرقة عاصمة لخلافته المزعومة. المفارقة أن الرقة لا تمتلك تاريخاً سلفياً جهادياً، ولا حاضنة شعبية للتنظيم. لكن هذا “الضعف” هو تحديداً ما جذب التنظيم: أراد مدينة مفككة، بلا نخبة مقاومة، وبعيدة عن المواجهة المباشرة، ليعيد تشكيلها بالقوة، لا مدينة تفاوضه على شرعيته.

5. “قسد”: الواجهة السياسية

بعد هزيمة التنظيم، فضلت “قسد” الرقة على مدن ذات أغلبية كردية (كالقامشلي). كان الاختيار سياسياً بامتياز؛ فالرقة تمنح “قسد” واجهة عربية ضرورية، وتقدمها للمجتمع الدولي كقوة “سورية متعددة المكونات”، مما يمنحها ثقلاً تفاوضياً أكبر، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المدينة وهويتها.

خاتمة: من مدينة تُختبَر… إلى مدينة تختار

لم تُختر الرقة لأنها الأقوى، بل لأنها الأضعف سياسياً. مدينة بلا مركز قرار، وبلا نخبة حامية، تحوّلت إلى مساحة مفتوحة لتجريب المشاريع المتصارعة. فشلت المشاريع أو نجحت مؤقتاً، ثم انهارت، وبقيت الرقة وحدها تدفع الثمن.

السؤال اليوم لم يعد: لماذا اختارها الجميع؟ بل: متى تمتلك الرقة مشروعها الخاص، وتخرج من كونها مدينة “تُختبَر” إلى مدينة “تختار”؟

تنويه: الآراء المنشورة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية للموقع.

تصميم غرافيك يظهر أعلام القوى المتصارعة التي تعاقبت على حكم مدينة الرقة: علم الثورة السورية، علم تنظيم داعش، وعلم الوحدات الكردية.
تعاقب الرايات والسيطرة على مدينة الرقة (تصميم تعبيري).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top